ابراهيم بن عمر البقاعي
21
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [ الحشر : 2 ] ، تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [ الملك : 1 ] ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [ المعارج : 4 ] ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [ القيامة : 22 ، 23 ] ، وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] ، وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] إلى سائر ما أخبر فيه عن تنزلات أمره وتسوية خلقه وما أخبر عنه حبيبه صلّى اللّه عليه وسلّم من محفوظ الأحاديث التي عرف بها أمته ما يحملهم في عبادتهم على الانكماش والجد والخشية والوجل والإشفاق وسائر الأحوال المشار إليها في حرف المحكم من نحو حديث النزول والقدمين والصورة والضحك والكف والأنامل ، وحديث عناية لزوم التقرب بالنوافل وغير ذلك من الأحاديث التي ورد بعضها في الصحيحين ، واعتنى بجمعها الحافظ المتقن أبو الحسن الدارقطني رحمه اللّه تعالى ، ودوّن بعض المتكلمين جملة منها لقصد التأويل ، وشدد النكير في ذلك أئمة المحدثين ، يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل رضي اللّه تعالى عنه ورحمه أنه قال : آيات الصفات وأحاديث الصفات صناديق مقفلة مفاتيحها بيد اللّه سبحانه وتعالى ، تأويلها تلاوتها ، ولذلك أئمة الفقهاء وفتياهم لعامة المؤمنين والذي اجتمعت عليه الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم ولقنته العرب كلها أن ورود ذلك عن اللّه ومن رسوله ومن الأئمة إنما هو لمقصد الإفهام ، لا لمقصد الإعلام ، فلذلك لم يستشكل الصحابة رضوان اللّه تعالى عليهم شيئا قط ، بل كلما كان وارده عليهم أكثر كانوا به أفرح ، وللخطاب به أفهم ، حتى قال بعضهم لما ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه تعالى يضحك من عبده : لا نعدم الخير من رب يضحك » « 1 » وهم وسائر العلماء بعدهم صنفان : إما متوقف عنه في حد الإيمان ، قانع بما أفاد من الإفهام ، وإما مفتوح عليه بما هو في صفاء الإيقان ، وذلك أن اللّه سبحانه وتعالى تعرف لعباده في الأفعال والآثار في الآفاق وفي أنفسهم تعليما ، وتعرف للخاصة منهم بالأوصاف العليا والأسماء الحسنى مما يمكنهم اعتباره تعجيزا ، فجاوزوا حدود التعلم بالإعلام إلى عجز الإدراك فعرفوا أن لا معرفة لهم ، وذلك هو حد العرفان وإحكام قراءة هذا الحرف المتشابه في منزل القرآن ، وتحققوا أن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] و لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص : 4 ] فتهدفوا بذلك لما يفتحه اللّه على من يحبه من صفاء الإيقان ، واللّه يحب المحسنين . ثم قال فيما به تحصل قراءة هذا
--> ( 1 ) يشبه الحسن . أخرجه ابن ماجة 181 وابن أبي عاصم في السنة 554 كلاهما من حديث أبي رزين . قال البوصيري في الزوائد : وكيع ذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجاله ثقات ا ه . وقال الذهبي : لا يعرف . وقال الحافظ : مقبول . وورد من حديث لقيط أخرجه ابن خزيمة في التوحيد ص 122 ، 129 وأحمد 4 / 12 ، 14 كلاهما مطوّلا ، وفي إسناده دلهم بن الأسود وعبد الرحمن بن عياش لا يعرفان .